اسد حيدر
527
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
وتكونت شخصيته ، وعلت منزلته دون غيره من علماء دار الهجرة ، وغيرهم من علماء المسلمين . ونحن لا نريد أن نظلم مالكا إن قلنا : إن من الظلم تقديمه على علماء المدينة ، وجعل الفتوى منوطة به دون غيره ، فما هي المؤهلات التي جعلته يكون كذلك ؟ فقد كان مالك لا يعرف عن نفسه ما يقول المنصور بأنه أعلم أهل الأرض . حدث مالك قال : قال لي أبو جعفر يوما : أعلى ظهرها أحد أعلم منك ؟ قلت : بلى . قال : فسمهم لي . قلت : لا أحفظ أسماءهم ، قال أبو جعفر : قد طلبت هذا الشأن - أي العلم - في زمن بني أمية وقد عرفته . وبهذا رأينا مالكا يعترف بوجود من هو أعلم منه ، ولكن لا يصرح باسمه ، لعلمه بما وراء ذلك . وقد كان مالك يسأل عن كثير من المسائل الشرعية . فكان أكثر جوابه بلا أدري . وقد قصده رجل من العراق بأربعين مسألة ، فأجاب عن خمس وثلاثين بلا أدري . وقد أنكر مالك على أهل مصر بأنهم عرفوا البيوع وهو لا يعرفها ، إذ كانوا يرجعون إليه ، على أننا نجد في علماء المالكية من يتعجب من قول لا أدري . فهذا محمد بن عبد الحكم المتوفى سنة 268 ه - كان يقول : أتعجب ممن يقول : لا أدري ، وله كتاب في الرد على الشافعي فيما خالف الكتاب والسنة . وقال عبد الرحمن بن المهدي : كنا عند مالك فجاءه رجل فسأله فقال : لا أحسن ، فقال الرجل : وأي شيء أقول إذا رجعت إلى بلادي ؟ قال تقول لهم : قال مالك بن أنس : لا أحسن . والغرض أن مالكا نال حظا وافرا في آخر دولة المنصور مما جعله يحاول أن يجمع الناس على علمه ، ومن يخالف تضرب عنقه . وجاء من بعده المهدي ، فكانت منزلة مالك في دولته عظيمة . وقد أمره بأن يضع للناس كتبا يحملهم عليها . وكان يحترمه ويجله ويوصله بهدايا جزيلة وعطاء وافر ، ويقرب مجلسه ، ويظهر للناس شأنه وعلو منزلته . وكان المهدي يطلب من مالك أن يزوده بوصاياه لينتفع بها .